الصحة النفسية: توعية وتصويب مفاهيم أم زيادة لغط؟

بقلم عُلا عطايا

المعتقدات المغلوطة والمفاهيم الخاطئة المرتبطة بالصحة النفسية، وما يرافق ذلك من وصمة اجتماعية، كلها تُشكِّل أبرز العوائق في طريق تعزيز الصحة النفسية الفردية والمجتمعية في البلدان العربية. فتعزيز الصحة النفسية يتطلَّب تحسين نوعية الحياة، وخلق نظم مجتمعية داعمة، ومحاربة التمييز والوصم. ونظرًا لكون الموضوع مركبًا جدًا فإن يتطلب تعزيز الصحة النفسية طرق تفكير جديدة ومقاربات مبتكرة.


رغم الأهمية المدركة للصحة النفسية والاهتمام بها ورعايتها في البدان العربية المختلفة، إلا أن الاهتمام بالصحة النفسية بمفهومها الحديث ما زال دون المستوى المطلوب، إذ ما زالت رعاية الصحة النفسية مقتصرة على الغالب على المؤسسات الصحية الطبية، حيث تسعى تلك المؤسسات إلى إبقاء أمور الصحة النفسية ورعايتها ضمن اختصاصاتها ومسؤولياتها، متأثرة بما كان سائداً في أوروبا وأمريكا منذ بدايات القرن العشرين وحتى منتصفه.


ان "مقاربة التنمية المجتمعية"، التي تتركّز حول تعزيز الصحة النفسية، تؤكد على ضرورة مشاركة المجتمع المحلي وتعزيز الاعتماد على الذات، وذلك عن طريق تحمّل الأفراد والعائلات والمجتمعات المحلية مسؤولية الاهتمام بمسائل الصحة النفسية المتعلقة بهم. فالواضح أن مسؤولية تعزيز الصحة النفسية الايجابية ليست محصورة فقط بالقطاع الصحي، بل هي تتعداه لتشمل قطاعات أوسع تشمل المدرسة ومكان العمل والإعلام والمجتمع المحلي بشكل عام.


جهد العديد من الجهات والمنظمات الرسمية والخاصة في لبنان هذا العام للإستفادة من اليوم العالمي للصحة النفسية الموافق يوم 10 تشرين الأول/أكتوبر، من أجل زيادة المعرفة ونشر الوعي والحد من الوصمة وبالتالي تعزيز الصحة النفسية. وقد وظّفت هذه الجهات مختلف وسائط التواصل الإجتماعي والوسائل الإعلامية لإطلاق حملاتها ونشر رسائلها. هنا نعرض لحملتين منها جرى إطلاقهما في لبنان على اللوحات الإعلانية الكبرى في الشوارع وفي الصحف ووسائل الإعلام المختلفة.

  • الحملة الأولى (حملة "فَكِّر... الصحة نفسية كمان" التي أطلقتها جمعية "إدراك" في لبنان) ركّزت على أهمية الصحة النفسية في حد ذاتها وعلى أثرها على كافة جوانب حياة الفرد وصحته. من جهة أخرى، أكّدت الحملة على ضرورة تبني نظرة شمولية في مقاربة الصحة، فالصحة النفسية جزء لا يتجزّأ من جوانب الصحة. لاقت هذه الحملة صدى إيجابياً إذ استفادت من فنانين وفنانات ينقلون الرسالة الأساسية ويتحدثون عن الصحة النفسية بشكل إيجابي. رغم ذلك، ربما كان من الأحسن الإبتعاد عن صيغة الأمر في تشجيع الناس على التفكير بطرق أكثر إيجابية، باستخدام صيغة "لِنفكر" مثلاً بدلاً من "فكر".

  • الحملة الثانية (حملة "فِك العقدة...المرض النفسي مرض طبي") كانت حملة وطنية أطلقتها وزارة الصحة ومستشفى الجامعة الأميركية في بيروت وصندوق "إحتضان")، وكان تركيزها على الناحية الطبية والإضطرابات النفسية. هدفت الحملة إلى الحد من الوصمة التي تلحق بالأفراد الذين يعانون الإضطرابات النفسية من ناحية، والتركيز على أهمية العناية بالإضطرابات النفسية، من ناحية أخرى. إلاّ أن إعلاناتها تركت بعض الأصداء السلبية.

المشكلة الأولى كانت في استخدام توصيف "العقدة" في مقاربة الصحة النفسية، حيث يشير مفهوم العقدة إلى مركّب - وهو في اعتبار مدرسة التحليل النفسي المَبعث على تصرفات لا واعية تصدر عن الفرد، أو هو اتجاه انفعالي لا شعوري يؤثر بشكل مستمر في التفكير والسلوك على الرغم مما أصابه من الكبت والنسيان". إن استخدام مصطلحات تقنية في غير إطارها يشكل لغطاً.


المشكلة الثانية كانت في استخدام كلمة "مرض" في الإشارة إلى الإضطرابات النفسية، ما يسهم في خلق لغط آخر: هل نتكلم هنا عن الإضطرابات النفسية الشائعة كالإكتئاب والقلق أم عن إضطرابات الشخصية؟


المشكلة الثالثة كانت النظرة "التبسيطية" التي تختزل الإضطراب النفسي بالجانب الطبي وتحصر التعامل معه في نطاق التدخل الطبي. فالإضطرابات النفسية يمكن تحديدها على أنها خلل في التوازن مع الذات أو البيئة المحيطة، وذلك نتيجة عوامل وراثية أو بيولوجية أو خلل في البيئة المحيطة بالفرد، وفي تعامله مع المحيط الخاص به، وفي الدعم المتوفر له عند مواجهة مشكلات الحياة العادية. فالصحة النفسية تتأثر بجملة من العوامل البيولوجية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ولا يمكن حصرها بالجانب البيولوجي..كذلك بالنسبة للعلاج، فعلاج الاضطرابات النفسية لا يقتصر على العلاج الطبي، إذ هناك العلاج النفسي الفردي والجماعي (بمدارسه المختلفة) إلى جانب الطب النفسي.


المشكلة الرابعة كانت في المقاطع التلفزيونية (tv spot) التي ركّزت على إحصاءات وأرقام (1 من أصل 4 أشخاص يعانون اضطرابات نفسية، مثلاً) غير مدعومة بما يكفي بدراسات محلية.


كل ذلك لا يقلل من أهمية الحملتين والأنشطة التي رافقتهما ولا من فائدة نقل الصحة النفسية إلى حيز الانتباه المجتمعي العام وكلتماهما تستحقان الثناء. فاستراتيجيات تعزيز الصحة النفسية تحتاج إلى المشاركة الأوسع وإلى مجموعة متعددة من الخدمات ومبادرات تنمية المجتمع التي تعزّز قدرات الأفراد وإمكانياتهم وتساهم في توفير بيئة داعمة، إلى جانب المبادرات التي تتجاوز الخدمات العلاجية لتصل إلى الاكتشاف المبكر وإلى ما بعد العناية وإعادة التأهيل للأفراد الذين يعانون اضطرابات نفسية.


يتطلّب تعزيز الصحة النفسية الفردية والمجتمعية خطط عمل تهدف إلى مواجهة التحديات والعوائق، وإستثمار الموارد المتاحة وتعزيز ثقافة الحقوق. يشمل ذلك العمل على زيادة المعرفة بمواضيع الصحة النفسية، وتصويب المفاهيم والمعتقدات المغلوطة، وزيادة الوعي حول التشريعات والسياسات المرتبطة بالموضوع وتفعيلها، لا سيما حقوق الأفراد الذيم يعانون الإضطرابات النفسية. فضلا عن ذلك، يتطلب ذلك تشجيع الباحثين على تنفيذ الدراسات والأبحاث الميدانية في مختلف جوانب الصحة النفسية حيث ان هناك ندرة في الأبحاث المتخصّصة في مجال الصحة النفسية، والاهتمام بالدراسات الإحصائية التي تحدد نسب انتشار المشكلات والاضطرابات النفسية.


نعرض هنا بعض أنشطة تعزيز الصحة النفسية:

  • تعزيز معرفة الكادر التعليمي بمسائل مرتبطة بالصحة النفسية

  • العمل المجتمعي مع منظمات ومدارس على بناء شبكة دعم طرق رعاية وخدمات وفرص ملائمة ثقافياً وتُعنى بكامل أوجه حاجات الأطفال والشباب.

  • تطوير خدمات مجتمعية يستفيد منها كل من هو بحاجة إليها.

  • دمج خدمات الصحة النفسية في العناية الصحية الأولية وفي خدمات اجتماعية أخرى.

  • تأمين العناية للأشخاص غير القادرين على اتخاذ قرارات متعلقة بصحتهم بسبب إصابتهم بمشكلات أو تحدّيات عقلية.

  • العمل على إنشاء نظام إحالة واضح وبسيط يسهّل الوصول إلى أشكال الرعاية المناسبة

  • تعزيز الدور الإيجابي للإعلام في نشر المعرفة والمعلومات الدقيقة والإلتزام بالمبادئ الأخلاقية في الرعاية النفسية

  • تأمين الحد الأدنى من المتطلبات لحجم الخدمات ومجالها وطبيعتها.

  • تأمين التنسيق بين أنواع الرعاية والخدمات المختلفة.

  • تطوير معايير التوظيف والموارد البشرية.

  • إقامة معايير لنوعية العناية والإشراف على النوعية.

  • حماية حقوق الأفراد وتعزيز أنشطة المناداة بين مستخدمي خدمات الصحة النفسية.

النشرة: 

التعليقات

شكراً جزيلاً " أستاذة عُلا عطايا" مزيداً من العطاء


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


مرفق رابط تكريمي في يوم المعلم العالمي في شهر 10 / 2012  العام الدراسي   2012 ـ 2013 .ضمن خمسة معلمين من المناطق العمليات الخمسة للأونروا  UNRWA " قطاع غزة ـ الضفة الغربية ـ الأردن ـ سوريا ـ لبنان" مخيمات اللآجئينأخوكم المعلم / معين محمد محمد حجازي 

http://www.unrwa.org/atemplate.php?id=1116

علِّق

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <p>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Empty paragraph killer - multiple returns will not break the site's style.
  • The Lexicon module will automatically mark terms that have been defined in the lexicon vocabulary with links to their descriptions. If there are certain phrases or sections of text that should be excluded from lexicon marking and linking, use the special markup, [no-lexicon] ... [/no-lexicon]. Additionally, these HTML elements will not be scanned: a, abbr, acronym, code, pre.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • The Lexicon module will automatically mark terms that have been defined in the lexicon vocabulary with links to their descriptions. If there are certain phrases or sections of text that should be excluded from lexicon marking and linking, use the special markup, [no-lexicon] ... [/no-lexicon]. Additionally, these HTML elements will not be scanned: a, abbr, acronym, code, pre.
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.