ورشة الموارد العربية تطلق تقرير الصحة النفسيّة في البلدان العربية يتضمن مسحاً شاملاً لأوضاع الرعاية الصحيّة النفسيّة ومشاكلها في لبنان
 

صحيفة السفير، 23/10/2008

 

 

 

 

 

 

 

زينب غصن
www.assafir.com

ما هو وضع الرعاية الصحية النفسية في بلادنا؟ من يقدم هذه الرعاية وما هي المعوقات التي تقف في طريقها؟ أسئلة كثيرة وغيرها يحاول أن يجيب عليها " تقرير الصحة النفسية في البلدان العربية" الذي تطلقه "ورشة الموارد العربية"
ليتوج عملا استمر سنة ونصف السنة من جمع البيانات وتحليلها وانتهى، بالإضافة إلى التقرير، إلى وضع دليل للجمعيات والمنظمات العاملة في مجال الصحة النفسية كما إلى إنشاء قاعدة بيانات تتضمن أهم الكتب والدراسات المنشورة في هذا المجال.
تقول علا عطايا، منسقة برنامج الصحة النفسية الإقليمي في « ورشةالموارد العربية » عندما بدأنا برنامج الصحة النفسية في صيف ٢٠٠٥ قمنا بمسح لنتمكن من تحديد من يعمل ماذا في المجال النفسي الاجتماعي. وانطلقنا في ٩ دول عربية حيث للورشة شركاء فكان هناك مشرف في كل بلد على عمليةالمسح. وقد انتهينا إلى وضع دليل لـ٣٦٠ جمعية ومنظمة (حتى عام ٢٠٠٧) ومؤسسة وبرنامجاً تعمل في مجال الصحة النفسية والاجتماعية. وعمل الفريق الاستشاري الإقليمي، كل في بلده، على تحضير تقارير حول وضع الصحة النفسية في بلدانهم على ضوء نتائج عملية المسح. وقد أنتجت هذه العملية تقريرا وصفيا لواقع الصحة النفسية في كل من البلدان العربية التسعة. في الوقت نفسه حاولنا القيام بإحصاء للكتب والدراسات في هذا المجال وأنشأنا ببليوغرافيا لصحة النفسية التي تتألف من ٥٨٣ مدخلاً من التقارير والمقالات والكتب والنشرات والمواقع الإلكترونية والمنشورات حول مواضيع الصحة النفسية والتنمية الشبابية. يمكن للباحثين اليوم الوصول إليها من خلال محرك بحث على الموقع الإلكتروني للورشة www.mawared.org وهي تتضمن،بالإضافة إلى المعلومات التوثيقية، نبذة عن كل كتاب أو دراسة. وهو تم ّتطويرها بالتعاون مع قسم العلوم السلوكية في الجامعة الأميركية في بيروت. كما يتوفر الدليل أيضا على الموقع الإلكتروني نفسه.
وعطايا، الاختصاصية النفسية والنفسية ـ اجتماعية، شاركت إلى جانب د. مجدي صموئيل من مصر ود. نجلا اللقيس من لبنان في إعداد هذا التقرير (راجعه د. غسان عيسى) الذي شكل المرحلة الأولى من برنامج الصحة النفسية في ورشة الموارد العربية وتضمن مسحاً عاماً وشاملاً للبرامج العاملة في مجال الصحة النفسية في تسعة بلدان عربية هي مصر والسودان والمغرب واليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن. تقول عطايا « لم نواجه مشاكل كبيرة في إعداد التقرير الذي هو نتاج جهد جماعي للفريق الإقليمي الذي عمل كل فرد منه في بلده مع الجمعيات. ولكن ربما الصعوبة الأساسية كانت في اعتمادنا مقاربة مجتمعية جديدة للصحة النفسية توسع هذا المفهوم نحو الحقوق وجعلا لمجتمع ككل معني بها على عكس ما اعتدنا عليه في المنطقة العربية من مقاربة طبية للصحة النفسية«.

حال الرعاية النفسية عربيا
ما زالت الصحة النفسية في الوطن العربي لا تحظى بالأولوية أو الاهتمام الكافي من قبل الحكومات بالرغم من انتشار المشكلات النفسية. ويشير تقرير «الورشة» إلى أن «الميزانيات المخصّصة للصحة النفسية في البلدان العربية تبتعد عن توصيات منظمة الصحة العالمية التي توصي بأن تشكّل موازنة الصحة النفسية ١٠٪ على الأقل من موازنة وزارة الصحة». ويعيد التقرير هذا الإهمال إلى جملة من العوامل المتداخلة أهمها »ضعف الدعم المادي ونقص الكوادر البشرية المدربة وقلة المعرفة بالموضوع والوصمة الاجتماعية. تضاف إلى كلذلك الظروف الصعبة التي تعيشها البلدان العربية (فقر، احتلال، حروب، نزاعات، عدم استقرار سياسي وأمني...) والتي تلقي بثقلها على الصحة النفسية والجسدية للسكان".
فيما خص واقع الصحة النفسية في الدول العربية خلص تقرير «الورشة» إلى وجود كثرة للجمعيات والمؤسسات العاملة بشكل مباشر أو غير مباشر في هذا المجال، والتي تواجه الكثير من المشكلات والعوائق، وإلى وفرة الجمعيات العاملة مع الأطفال والشباب والناشطة في مجالات التعليم والتأهيل والإرشاد النفسي والاجتماعي، إلا أن هذه الجمعيات تعاني نقصاً في الكوادر المدرّبة والجاهزة للعمل في هذه المجالات إضافة إلى نقص المهارات، لا سيما المهارات الإرشادية لدى العاملين فيها. كما تفتقر هذه الجمعيات إلى الموارد المعرفية اللازمة، ويغيب عنها التعاون المجتمعي والتنسيق مع المدارس وباقي مؤسسات المجتمع المحلي. فضلا عن نقص التمويل والتحديات المادية كمشكلة مشتركة تواجه معظم هذه الجمعيات.
وتعاني فئة المسنين في البلدان العربية من قلة الخدمات والرعايةالتي تتوجّه إلى هذه الفئة العمرية، إذ أن معظم الجمعيات التي شملها المسح تركّز اهتمامها على الفئات العمرية الأصغر.
أما من ناحية واقع الصحة النفسية في البلدان العربية فيتحدث التقرير عن نقص الإحصاءات الرسمية في مجال الاضطرابات النفسية في كل بلد، ونقص في مجال القدرات البشرية في الصحة النفسية وأعدادها ومستوى تأهيلها واحتياجاتها، وضعف الأبحاث العلمية في هذا المجال. يضاف إلى ذلك انخفاض نسبة متلقي العلاج النفسي من الذين يحتاجون إليه مقارنةً بالدول الغربية وارتفاع نسبة الاضطرابات النفسية ـ الجسدية (psychosomatic disorders ) أي ظهور الأعراض الجسدية الناتجة من الضغوطات النفسية. وغياب المفهوم الإيجابي للصحة النفسية اللياقة النفسية وتحسين نوعية الحياة.
غير أن التقرير يضيء أيضا على نقطة إيجابية تتميز بها الدول العربية ألا وهي »توافر الكثير من العوامل الحامية في المجتمعات العربية. فعلى الرغم من انتشار المشكلات والاضطرابات النفسية والظروف الصعبة السائدة والمتزايدة، إلا أن الروابط العائلية والاجتماعية إلى جانب بعض الطقوس السائدة، كطقوس الحداد وغيرها من المناسبات المجتمعية، ودور الدين والإيمان، تشكّل جميعها عوامل حماية ودعم ينبغي عدم غضّ النظر عنها« بحسب التقرير.

لبنان: الإيجابيات والسلبيات
قد يكون حال الصحة النفسية في لبنان مختلفا عن غالبية الدول العربية التي شملها التقرير ما عدا فلسطين والعراق. فالحروب التي ضربته منذ السبعينيات وحتى اليوم واللااستقرار السياسي والأمني تركت آثارها على الصحة النفسية.
يشير التقرير إلى أن «هذه الظروف إضافة إلى الوضع الاقتصادي المتردّي قد أحدثت مفاعيل ضارّة بصحّة السكان الذهنية والنفسية، وأثّرت سلباً في الوقت عينه على نظام الرعاية الصحية الذي كان لبنان بفضله (قبل حرب ١٩٧٥) مركزاً للرعاية الصحية لمنطقة الشرق الأوسط برمّتها». ويعتمد لبنان بحسب التقرير بشكل أساسي على القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والدينية في تقديم الخدمات الصحية. ويلفت إلى أن «الصحة النفسية في لبنان تشهد حركة وتطوراً ملحوظين يميزهما تنوّع برامج ومشاريع الدعم النفسي-الاجتماعي ومحاولات دمج الصحّة النفسية في البرامج التربوية وبرامج المنظّمات الاجتماعية، لا سيما بعد حرب تموز ٢٠٠٦». إذ يبدو أن طفرة ما حصلت أثناء فترة حرب تموز ٢٠٠٦ وبعدها في مجال الدعم النفسي ـ الاجتماعي حيث ركز عدد كبير من المنظمات المحلية والدولية عملها عليه لتوفير الدعم والمساندة للأفراد والجماعات المتأثرة جراء الحرب. ويشير التقرير إلى أن العمل جار حالياً، لتطوير خطة وطنية حول التدخلات النفسية ـ الاجتماعية تهدف إلى وضع إطار عام للعمل في المجال النفسي ـ الاجتماعي وتطوير إرشادات وتوجيهات للعمل في هذا المجال...
أما لناحية أعداد العاملين في هذا المجال فيحصي التقرير ٦٠ طبيبا ًنفسياً، وأكثر من ٢٠٠ اختصاصي نفسي (منهم ١٣٦ مسجلون في الجمعية اللبنانية لعلم النفس)، وقرابة ١٠٠٠ عامل اجتماعي، ومنشط اجتماعي، ومعلمين مؤهلين لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة. هذا بالإضافة إلى ٣٩ محللاً نفسياً (يتوزعون على ٣ جمعيات للتحليل النفسي). أما من ناحية الخدمات النفسية ،فان خدمات الطب النفسي والرعاية الصحية النفسية متطورة بشكل جيد. توجد مؤسستان (قرابة ٩٠٠ سرير) للطب النفسي، بالإضافة إلى ٥ دوائر داخلية وخارجية في مستشفيات مختلفة في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، تتوفر خدمات نفسية خاصة عن طريق مؤسسات وهيئات خاصة متنوعة.
غير أن الاهتمام بمجالات الصحة النفسية والإرشاد النفسي والدعم النفسي ـ الاجتماعي لا يزال محصورا في المدن وتتركز معظم الخدمات والعاملين في هذا المجال في بيروت وجبل لبنان والشمال. أما في الجنوب والشرق، وهي المناطق الأكثر تضرراً من الحرب، فان خدمات الصحة النفسية فقيرة جداً.
ويتحدث التقرير عن الدور السلبي للعوامل الاقتصادية والأمنية على الصحة النفسية والكلفة العالية جداً لخدمات الصحة النفسية (الاستشارية والعلاجية، ما يقارب الخمسين دولاراً للجلسة) بشكل لا يتناسب مع دخلا لمواطنين. يضاف إلى ذلك ضعف الوعي الاجتماعي حول مسائل الصحة النفسية والمشكلات والاضطرابات النفسية، إضافة إلى الوصمة الاجتماعية التي تلازم مشكلات الصحة النفسية واضطراباتها. تعتبر المشكلات النفسية عند الكثير من اللبنانيين نوعاً من ضعف الشخصية. غير أنّ من الملاحظ أنّ هناك زيادة في الوعي العام بمواضيع الصحة النفسية، بخاصة لدى المراهقين، وبعض مناطق العاصمة.
هذا وتستثنى المشكلات والأمراض النفسية من تغطية الضمان الصحي والاجتماعي والتأمين الصحي الخاص في لبنان وكذلك معظم المرضى النفسيين يعالجون على حساب وزارة الصحة. أما بالنسبة للمدارس فهي تستعين بمرشدين نفسيين تربويين أو نفسانيين مدرسيين. ومع ذلك هناك قلة استخدام للخدمات الاستشارية المدرسية لصحة الطفل النفسية. وهذا ما يؤدي إلى الفشل في الوصول إلى الأطفال الذين يجب مساعدتهم، بطريقة أخرى، لتفادي الكثير من المشكلات المتعلقة بالتسرب من المدارس.
هذا وتتوفر في لبنان بحسب التقرير «عدة مراكز إعادة التأهيل تابعة لجمعيات/مؤسسات أهلية تعنى بالمعتقلين السابقين (من السجون الإسرائيلية)،وبذوي الاحتياجات الإضافية، وبالمدمنين». ويلفت التقرير إلى سلبية »تركيز بعض العاملين في المجال على المقاربات الغربية ومفاهيم سابقة التجهيز كمتلازمة اضطرابات ما بعد الصدمة PTSD مع ندرة أدوات البحث والتقييم المقننة محلياً لتناسب المجتمع اللبناني وخصوصياته وقلة التعاون والتنسيق بين الجمعيات العاملة في المجال النفسي والنفسي ـ الاجتماعي . «أماالمميزات الإيجابية التي يتحدث عنها فهي »المرونة والقدرة على التأقلم لدى الأفراد والجماعات في لبنان بالرغم من التعرّض المستمر لأحداث عنيفة والعيش في ظل واقع غير مستقر».
وتفتقر المكتبة اللبنانية إلى الموارد التي تتناول مواضيع الصحة النفسية، باستثناء دليل الأمراض النفسية لأطباء الرعاية الصحية الأولية » دليل لعاملي الرعاية الصحية الأولية عن الرعاية العقلية والنفسية الاجتماعية للأفراد المتضررين جرّاء الحرب« الذي تمّ تحضيره بالتعاون مع وزارة الصحة اللبنانية والمنظمة العالمية للصحة وتمّ توزيعه مؤخراً من قبل معهد بحوث التنمية والرعاية التطبيقية (IDRAC Center) >لبعض الأطباء خلال يوم تدريب في هذا المجال. إلى ذلك لا توجد تشريعات خاصة بالصحة النفسية في لبنان بل تشريعات تعنى بالصحة العامة.
أما بالنسبة للمخيمات الفلسطينية في لبنان فيتصف واقع الصحة النفسية فيها بحسب التقرير بندرة خدمات الإرشاد النفسي والرعاية الصحية النفسية ،وقلة الوعي والمعرفة بمواضيع الصحة النفسية بسبب جملة من العوامل أبرزها الوصمة الاجتماعية المتعلقة بالمرض النفسي من جهة، وقلة الموارد المعرفية من كتب ومنشورات وأنشطة تثقيفية حول الموضوع من جهة أخرى.
تعاني المخيمات الفلسطينية أيضاً من ندرة المتخصصين في مجال الصحة النفسية وقلة الأبحاث المتخصصة في هذا المجال. كما تغيب البرامج التدريبية الضرورية التي تستهدف العاملين في المجال الاجتماعي والنفسي.
من جهة أخرى، تكثر البرامج والمشاريع الموجّهة والمرتكزة إلى أجندة الممول والتي في كثير من الأحيان لا تحاكي الواقع ولا تلبّي الحاجات الفعلية والمتراكمة.
ويتضمن التقرير ١٢ توصية لتعزيز الصحة النفسية كدعم الباحثين لإجراء دراسات وإحصاءات ووضع خارطة لمقدمي خدمات الصحة النفسية في لبنان والعمل مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لملء الفراغات في الخدمات الصحية النفسية في بعض المناطق وتأمين موارد وأدوات معرفية (تثقيفية و تدريبيةو ...) تناسب المستويات والتدخلات المختلفة بلغة عربية بسيطة بالإضافة إلى غيرها من التوصيات.
وتكمن الخطوة التالية للعمل في رصد الوضع التشريعيّ في عدد من الدّول العربيّة (لبنان، مصر، فلسطين) للمرضى النفسيين، وهل من قوانين تحميهم أو تضمن لهم الوصول إلى الرعاية الصحية اللازمة؟ في مرحلة أولى، باشرت «الورشة» في تموز الماضي العمل على إعداد تقرير لبنان على أمل أن يسهم فيتحديد المسائل القانونية الأكثر تأثيرا في هذا المجال، وفي تحديد الفرص والثغرات واستخلاص توصيات تساعد في تطوير الدراسات التي ستجري في البلدان الأخرى، وفي استخراج خطط عمل تراعي الواقع ولكنها ترسم مسارا لتطوير التشريعات القائمة و/أو استحداث ما يجب منها بحسب بيان للورشة.
وفي هذا الإطار تنظم «الورشة» غدا، وعلى يومين، حلقات نقاشية تهدف إلى وضع آليات تساعد على تقييم القوانين على قاعدة الحق بالتنمية الايجابية والصحة (والصحة النفسية كجزء منها) وتشجيع مشاركة المستفيدين عند التشريع من أجل ضمان مراعاة القوانين والتشريعات للصحة النفسيةو التنمية الايجابية وتطوير خطط عمل تهدف إلى تسهيل المناداة بتلبية الحق في الصحة النفسية وتعزيز الصحة النفسية في لبنان والبلدان العربية. تقول عطايا "القضية القانونية ليست هي فقط ما ن صبو إلى تحقيقه هي واحدة من الحاجات والتوصيات التي خلص إليها التقرير. ونحن سنعرض توصيات التقرير من خلال ورش عمل مقبلة على شركائنا في الدول العربية المختلفة من أجل بحث آليات العمل المستقبلية لتحقيق هذه التوصيات: من أين سننطلق وما هي أولويات عملنا المقبل.

أخبار

مقالات

موارد وإصدارات