الصحة النفسية في اليمن

*د معن عبدالباري قاسم

مقدمة
الصحّة الجيّدة لا تعني الجسم المعافى بدنيّاً فحسب؛ فالشخص المعافى يجب أن يتمتّع أيضاً بالعافية العقليةً، ويجب أن يكون المعافى نفسياً قادراً على التفكير بوضوح، وأن يحلًّ المشاكل المختلفة التي يواجهها في حياته، وأن يتمتّع بعلاقات جيّدة مع أصدقائه، وزملائه في العمل والعائلة، وأن يشعر بالراحة الروحانيّة و يحمل السعادة إلى الآخرين في المجتمع. وهذه النواحي الصحيّة هي التي يمكن أن تعتبر صحة نفسية.
ارتبطت الاضطرابات النفسية، ومشكلات الصحة النفسية في الوطن العربي عموما -واليمن خصوصا- بمزيج من الأساطير، والخرافات، والمفاهيم الدينية المغلوطة عن السحر، والجن. وعليه يمكن القول أن حجم الوصمة الاجتماعية تجاه قضية الصحة النفسية كان ومازال وسيظل على المدى المنظور يلقى بظلاله الثقيلة.

لهذا يمكن القول أن العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت مرحلة نهضة  وطنية وإقليمية  (وإن ظل شبح الصراعات والحروب  والفقر وزيادة النسل والأمية مستمراً حتى اليوم)، حظيت فيها الصحة النفسية - ولو بقدر متواضع – من الاهتمام الذي تمثل بدرجة رئيسة في تنمية الموارد البشرية من خلال التأهيل للعديد من الطلاب لدراسة الطب النفسي، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتمريض النفسي سواء في جامعات الدول العربية، أو دول ما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي (الاتحاد السوفيتي وبلغاريا والمجر وألمانيا الشرقية وكوبا.. الخ) أو بعض من دول أخرى(الهند وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.) هذا بالإضافة إلى بعض الإصدارات والمطبوعات محدودة الانتشار.
بالمقابل  نجد معطيات العديد من الدراسات، والبيانات الإحصائية المحلية أو الإقليمية، تؤكد على أن تسارع متغيرات الحياة اليومية على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية  والاجتماعية إنما يؤثر بشكل كبير على حياة الناس . وما يهمنا هنا حياتهم النفسية المتأثرة بالصراعات والنزاعات المسلحة (فلسطين ،لبنان ،السودان ، اليمن،العراق) هذا بالإضافة إلى المتغيرات الديموجرافية الأخرى كزيادة الهجرات الداخلية، وبالتالي  تغير تركيبات المدن  والريف والنمو السكاني الهائل  وتفشي الأمية  زيادة معدلات الفقر  مع ضعف وتدني الخدمات الصحية والنفسية إن لم نقل تدهور هذه الخدمات كلياُ في بعض الدول، وهذا يعني توقع زيادة في خارطة الأمراض النفسية. كل ذلك سيتطلب تكاتف كل الجهود حكومية، وغير حكومية للعمل سويّة وفق رؤية علمية منهجية مدروسة للتصدي لكل تلك المشكلات.
                                
و كان اللقاءان الأول والثاني للصحة النفسية في العالم العربية (التي بادرت بالدعوة إليه ورشة الموارد العربية) استهدفا  رصد، وتوثيق نشاطات، وفعاليات الصحة النفسية على مختلف أصعدة التوعية، والمعلوماتية، أو البحثية، وبالتالي توفير قاعدة بيانات معلوماتية ،تكون بمثابة وثيقة علمية تقوم بها منظمة غير حكومية للتعرف على وضع الصحة النفسية على مستوى الوطن العربي ، مما يمكن الباحثين والمهتمين وصانعي القرار ووسائل الإعلام وكل المواطنين متابعة وضعية، وتطور قطاع الصحة النفسية، وبالتالي تغطية فراغ نعاني منه في الحصول على المعلومات المتعلقة في هذا المجال.

وبناء على نتائج اللقائين نحاول أدناه إلقاء الضوء على واقع الصحة النفسية في اليمن مع مقاربة عامة للمعطيات الإحصائية العالمية والإقليمية
والتي تشتمل الجوانب التالية : الموارد البشرية  والاضطرابات والأمراض  والخدمات  والهيئات المختصة (حكومية وغير حكومية) بالإضافة إلى الاستخلاصات والتوصيات.

 

أولا: الموارد البشرية

تمتلك 72.9 % من بلدان العالم لديها أنظمة لإعداد تقارير دورية عن الصحة النفسية، بينها 90% من البلدان الأعلى دخلاً. وتشير معطيات الموارد البشرية في اليمن إلى محدودية الإمكانات في هذا الجانب بشكل لافت.
ولا توجد مصادر رسمية موثوقة ودقيقة حول مواضيع الصحة النفسية، سنكتفي بالاعتماد على التقديرات وفقاً لمسوح عديدة نفّذتها محليا  "الجمعية اليمنية للصحة النفسية"  في الفترة 2002 2006م، وأخرى إقليمية (ورشة الموارد العربية، 2006) ودولية (منظمة الصحة العالمية،2005).

1 - الأطباء النفسيون والعصبيون : (Psychiatrists & Neurologists)
هناك قرابة 2 16553 طبيب نفسي في العالم منهم 2582 في الشرق الأوسط. وتقدّر نسبتهم على كل مئة ألف نسمة من السكان بمتوسط 3.96 طبيب نفسي في العالم، و 0.06 في الدول الأقل دخلاً - ومنها بلادنا -  و    9.0طبيب في الدول الأعلى دخلاً . في اليمن هناك حوالي 45 طبيب نفسي أي بواقع طبيب لكل   500ألف نسمة من إجمالي السكان العام، وفقاً للتقديرات الإحصائية العامة للسكان في اليمن لعام 2004م، والذي بلغ حوالي 20 مليون نسمة.

-2 الاختصاصيون النفسانيون (Psychologists)
  هناك قرابة 147019 اختصاصيا نفسانيا في العالم يعملون في الصحة النفسية ، منهم 2387 يعملون في الشرق الأوسط .ومتوسط عدد الاختصاصيين النفسانيين لكل مئة ألف من السكان في العالم هو 6.43 . في اليمن هناك قرابة 3000 اختصاصي نفساني (في علم النفس) يعمل منهم حوالي 100 في المؤسسات الأكاديمية، و 75 في قطاع الصحة، و 45 في الشؤون الاجتماعية، والجمعيات.

3-   التمريض النفسي (Psychiatric Nursing)
هناك قرابة 471124 ممرضا نفسيا في العالم ، منهم 7955 ممرضا في الشرق الأوسط. هناك حوالي     197ممرضا نفسيا فقط يعملون في القطاع الصحي النفسي في اليمن.

ثانيا  :  خدمات الصحة النفسية (Mental Health Services)

1- المستشفيات (Hospitals)
   يقدر متوسط الأسرّة للمرضى النفسانيين في العالم بواقع 4.36 سرير لكل مئة ألف نسمة من السكان وفي الشرق الأوسط بواقع 0.79 لكل مئة ألف نسمة وفي اليمن يصل إلى حوالي 0.95 سرير لكل مئة ألف نسمة. حيث في عموم الجمهورية 4 مستشفيات تخصصية للأمراض العقلية فقط، وبسعة سريرية تصل إلى قرابة 850 سريرا، وهي تقتصر على صنعاء  وعدن  وتعز والحديدة،  ولا توجد بها أقسام خاصة بالأطفال فهي للرجال والإناث فحسب.  وبسبب شحة السعة السريرية هذه نرى المئات من المرضى يتجولون في شوارع المدن والقرى، في أوضاع مزرية، في حين أن الألوف الأخرى  من المرضى  مهملة في منازل أقربائها – وخصوصا الإناث منهم.

2-التقنيات التشخيصية (Diagnosis Techniques)
تتوافر حاليا أجهزة التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG ) وأجهزة التصوير المقطعي(C.T SCAN ) ، ومع ذلك مازال استخدام التقنيات الحديثة (كالتصوير بالرنين المغناطيسي MRI –على سبيل المثال لا الحصر) في مجال التشخيص غير متوفر في حقل الاختصاص لسببين هما: كلفة الأجهزة، وعدم توافر الكادر المؤهل جيداً للتعامل معها.
 وفي مجال استخدام المقاييس النفسية، لا توجد حتى الآن مقاييس نفسية مقننة ومعتمدة رسميا للاستخدام  في البيئة اليمنية ؛ كما أنه لا توجد برتوكولات رسمية محددة أو ملزمة لمنهج التشخيص وفقاً لتدريب خاص لاستخدام المعايير العالمية بل يعتمد التشخيص غالباً على الخبرات والمعارف التشخيصية لكل طبيب.

      3-  العلاج النفسي  : (Management and Psychotherapy)
تتركز تقنيات العلاج النفسي على العلاج بالعقاقير بدرجة رئيسة وهناك إشكالية كبيرة يواجهها المرضى هي كلفة الأدوية النفسية وخصوصا ذات الجودة العالمية، كما أن استخدام الهزات الكهربائية(E.C.T ) مازال رائجا، في حين أنه لا توجد برامج ونماذج منهجية معتمدة في العلاج النفسي.

4-  برامج خدمات الإرشاد النفسي  المساعدة ( Psycho Counseling  Services)

تتوفر في اليمن بحسب بياناتنا البرامج الإرشادية النفسية المساعدة التالية:

(Hotline Telephone For Psychological Aid-Aden) أ- الخط التلفوني الساخن للمساعدة النفسية- عدن     

    تأسس في نيسان/ ابريل2000
                                                      
ب- برنامج الإرشاد السلوكي المدرسي – عدن: تأسس في أيلول/ سبتمبر2002

ج- الخط الهاتفي للإرشاد النفسي والاجتماعي والقانوني- صنعاء: تأسس في شباط/ فبراير 2002

د-   مركز الإرشاد النفسي، والتربوي للطلاب( جامعة صنعاء): تأسس في أيلول/ سبتمبر 2005

ه- مركز الإرشاد التربوي الطلابي جامعة تعز:  تأسس في أيلول/ سبتمبر 2006

و – الخط الساخن التابع للوحدة النفسية بالمركز الصحي الثقافي- صنعاء:  تأسس في أيار/ مايو 2006


  5-   منظمات الصحة النفسية غير الحكومية
حوالي 88 % من بلدان العالم لديها منظمات غير حكومية تعمل في الصحة النفسية وتشتغل في تقديم العلاج، إعادة التأهيل الوقاية والمناصرة، في الوطن العربي مازال عدد المنظمات المعنية مباشرة بالصحة النفسية محدودا جدا. وفي  اليمن ومنذ عقد التسعينات ومطلع الألفية، سجل إزدياد كما وكيفا في الجمعيات المعنية بالصحة النفسية حيث تصل إلى سبع جمعيات وعدد أعضائها  1280عضوا، معظمها حديث العهد.

ثالثا: انتشار الاضطرابات والأمراض النفسية                                        
تقدّر منظمة الصحة العالمية أن هناك 20% من السكان تقريبا يعانون من اضطرابات سلوكية وانفعالية  مما يعني أن هناك أربعين مليون من أصل 200 مليون مواطن عربي  بحاجة للمساعدة النفسية؛ وفي اليمن هناك أربعة ملايين نسمة من أصل عشرين مليونا بحاجة للمساعدة النفسية في حين أن هناك طبيب نفسي واحد  لكل 100ألف من طالبي المساعدة النفسية فقط .
نعني بمن هم بحاجة للمساعدة النفسية هم جميع أولئك الأفراد الذي يمرون بظروف صدمة نفسية من فقدان قريب، أو شريك حياة، أو تعرض لحوادث وإصابات وأمراض خطيرة وفشل مهني أو عاطفي، ..الخ.

2- مستشفيات الأمراض النفسية في اليمن :
تشير بيانات مستشفيات الأمراض النفسية في اليمن في إجمالي إحصاءاتها إلى أن 29519 مريضا عقليا عاودها العام2006. ومن حيث انتشار الأمراض احتلت الاضطرابات الذهانية ( بما فيها الفصام) المرتبة الأولى بنسبة 55.3% ، تليها الاضطرابات الوجدانية (اكتئاب وهوس وقلق) بنسبة % 20.3  فالصرع بنسبة 15.5% .

3- الانتحار
يعتبر الانتحار إحدى المشكلات الصحية النفسية ذات الحساسية الشديدة ليس من حيث حجم الضرر الذي يلحقه الفرد بذاته، بل بالوسط المحيط به وفي مقدمتهم أسرته وأقرباؤه.
تقدر منظمه الصحة العالمية بأن هناك مليون شخص ينتحرون سنويا وأن أكثر منهم بعشرين مرة يحاولون الانتحار.
ستة عشر شخصا من كل 100ألف ينتحرون في العالم مقابل ستة لكل 100ألف في البلدان العربية. والانتحار هو أحد ثلاثة أسباب رئيسة للوفيات في العالم للفئات: 44-15 سنة.
 لقد تأكد أن هناك علاقة وثيقة الصلة بين الانتحار والشروع فيه وبين الأمراض العقلية، حيث تأكد في دراسات غربية أن 90% ممن انتحروا تشخيصا لاضطراب عقلي. ووفقا لبيانات رسمية حصلنا عليها، بلغت حالات الانتحار في اليمن لعام 2006  حوالي 243 حالة والشروع في الانتحار 241 حالة. واعتبر السلاح الناري الوسيلة الأكثر استخداما في ذلك 75% .

 

استخلاصات
  من قراءة سريعة لتقريرنا الموجز عن اليمن يمكن استخلاص التالي:

  1. مازال الوعي العام لأولويات الصحة النفسية وأهميتها وآثارها على العملية التنموية ضعيفاً.
  2. محدودية في الرؤية والسياسات  في الإستراتيجية الوطنية  للصحة النفسية.
  3. تدني ومحدودية الخدمات النفسية في الوطن العربي
  4. حداثة تجربة المجتمع المدني وقلة الموارد البشرية والمادية المهتمة بالصحة النفسية.
  5. غياب التشريعات المشجعة والمنظمة لنشاطات تعزيز الصحة النفسية.
  6. محدودية التواصل مع المؤسسات الدولية الإقليمية ذات العلاقة بالموضوع أو التمويل.
  7. ضعف برامج التدريب، والتأهيل في مجال الصحة النفسية.
  8. ضعف قاعدة البيانات المعلوماتية  والافتقار إلى الشفافية في نشرها

التوصيات
تصميم  واعتماد برامج وخطط بعضها قصيرة المدى وبعضها طويلة المدى  مع التأكيد على الاستعانة بالخبرات الإقليمية  والدولية (مادياً ومعنوياً – معرفياً) لتسريع عملية التنمية في حقل الاختصاص

*أستاذ زائر جامعة اريزونا – الولايات المتحدة
رئيس الجمعية اليمنية للصحة النفسية

maanymha@yahoo.com
http://www.ymha-psy.org