تعزيز الصحة النفسية للشباب: الطريق إلى الأمام

*د. ريما عفيفي سويد 

صبح تعزيز الصحة النفسية والوقاية من الأمراض النفسية من الأولويات الصحية الرئيسية لدى العاملين والعاملات في مجال الصحة العامة في بلدان عديدة كما أصبحت الصحة النفسية من الأمور الرئيسية وذات الأولوية في جدول أعمال منظمة الصحة العالمية.
يعاني حوالي 450 مليون شخص حول العالم حاليا نوعا من الاضطرابات النفسية أو السلوكية. بقياس سنوات العمر المعادلة بالإعاقة disability adjusted life years ، تحتل الاضطرابات النفسية والعصبية حوالي الثلث من نسبة الإعاقات في العالم (1).  ضمن فئة الأطفال والشباب وحدهم، يعاني 20% من الأطفال من مشكلات نفسية وسلوكية (2).
إن نسبة الشباب في الزمن الحاضر تعد الأعلى في تاريخنا (3) ففي المنطقة العربية وحدها، يشكّل المراهقين (من 13-18 سنة) وحدهم حوالي 11% من مجموع السكان. وقد تزايد العدد من 23 مليون في العام 1990 إلى 31 مليون في العام . والصحة النفسية عند الشباب تشكّل احد العناصر الأساسية في صحتهم العامة 2004 (4).

حديثا، حدث انتقال من التركيز على الأمراض النفسية فحسب إلى التركيز على الصحة النفسية. فقد عرّفت منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية بأنها " حالة من العافية التي يستطيع من خلالها الفرد أن يتعرف إلى قدراته الذاتية، وان يتكيف مع الضغوطات الحياتية خلال العمل بإنتاجية وفعالية والمساهمة في مجتمعه(5). بالإضافة إلى ذلك، برز حديثا مفهوم الصحة النفسية الايجابية"، الذي يشير إلى " الصفات الإنسانية والمهارات الحياتية كالوظائف الإدراكية والتقدير الايجابي للذات والمهارات الاجتماعية ومهارات حل المشكلات والقدرة على التعامل مع المشاكل والتغييرات والضغوط الحياتية، وعلى التأثير في البيئة الاجتماعية والقدرة على العمل بفعالية وإنتاجية والمساهمة الفعّالة في المجتمع المحلّي، كما أنه حالة من العافية النفسية والعاطفية والروحية"(6). يشبه مفهوم الصحة النفسية الايجابية مفهوم المرونة والقدرة على التأقلم (resilience ): "عملية تخطي الآثار السلبية التي تنتج عن التعرّض للخطر والتأقلم الناجح مع التجارب المسبّبة للصدمات وتجنّب أشكال السلوك السلبية والمرتبطة بالمخاطر." (7)

تعزيز الصحة النفسية عند الشباب
هناك جهود تبذل منذ أواخر العام 1990من أجل تعزيز الصحة النفسية، لا سيّما الصحة النفسية الايجابية وتعزيز  المرونة والقدرة على التأقلم(resilience ) لدى الشباب.
إن تعزيز الصحة النفسية "يهدف إلى التأثير على العوامل المتنوعة المحدّدة للصحة النفسية من أجل تعزيز الصحة النفسية الايجابية وتقليص الفروقات وتطوير رأس مال اجتماعي (ثروة اجتماعية) وخلق فوائد صحية إلى جانب تقليص الفجوة في التوقّعات الصحية بين البلدان والجماعات المختلفة".(8)
إن الجهود الحديثة من أجل تعزيز المرونة والقدرة على التأقلم (resilience) وبالتالي تعزيز الصحة النفسية الايجابية قد ركّزت على الطاقات والقدرات أو المقوّمات الفردية والمجتمعية، وقد سمّيت التنمية الشبابية الايجابية. فان مجموع 40 طاقة (40 من المقوّمات المختلفة) تمّ تحديدها من قبل معهد البحوثSearch institute (9) ، وصنّفت على أساس مقوّمات داخلية وخارجية وتوزع على ثمانية مجموعات: المقومات الخارجية تتألف من الدعم والتمكين والحدود والتوقعات والاستعمال البنّاء للوقت بينما تتألّف المقومات الداخلية من الالتزام بالتعلّم والقيم الايجابية والقدرات الاجتماعية والهوية الايجابية.
يؤكّد بعض النقاشات العلمية بان الشباب الذين يملكون المقوّمات الكافية يستطيعون مواجهة المشكلات التي يتعرضون لها في هذه المرحلة العمرية
(10). إن مقاربة التنمية الشبابية الايجابية تعتبر بديلا من التركيز على الوقاية من المخاطر والتركيز على حل المشكلات. فبرامج التنمية الشبابية الايجابية تقارب الشباب كموارد ومصادر طاقة وليس كمصدر مشكلات تحتاج إلى حلول. إن برامج التدخلات المبنية على هذه المقاربة تركّز اهتمامها على تزويد الشباب بالفرص من أجل الاستعمال المفيد والمجدي للوقت خارج المدرسة، ومن أجل تطوير مهاراتهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، ومشاركتهم العائلية.(11)  
كما أن مقاربة التنمية الشبابية الايجابية قد برزت كإستراتيجية يمكن ملاءمتها وتعديلها للتناسب مع ثقافات ومجتمعات مختلفة(10).
جرى نشر العديد من المراجعات والأبحاث المرتكزة إلى التجارب العملية والبراهين حول تدخلات ونشاطات التنمية الشبابية الايجابية للأطفال والشباب
(12و13و14و15و16و17). فبرامج تعزيز القدرات الاجتماعية والمهارات الحياتية التي صمّمت خصيصا من أجل زيادة فعالية العلاقات بين الأفراد برهنت أنها الأكثر فعالية في تحسين وتعزيز الصحة النفسية (18).
يمكن استخلاص العديد من الاستنتاجات عن برامج تعزيز الصحة النفسية (والقدرة على التأقلم) في ضوء هذه الأبحاث والمراجعات. يجدر بالبرامج الشبابية الفعّالة أن:

  1. تستهدف الفرد والعائلة والمدرسة (المحيط الاجتماعي) (16): إن البرمجة التي تقوم على عدة عناصر والتي تتدخل في أكثر من مجال واحد ( العائلة والمدرسة والمجتمع ) تأتي بنتائج ايجابية أكثر.
  2. أن تبدأ في وقت مبكر.  البدء ببرامج التدخل مبكرا في المراحل الابتدائية لديها رؤية تنموية، مثلا أن تأخذ في عين الاعتبار العوامل البيولوجية والاجتماعية في المراهقة وذلك مع اعتبار النوع الاجتماعي والخلفية الإثنية (الثقافية ). (16)
  3. الاعتماد على الرفاق (الأقران) حيث أمكن من أجل تطوير المهارات وتغيير العادات(16). فالعمل من طفل إلى طفل ومن شاب إلى شاب مهم جدا.
  4. أن تكون البرامج مزوّدة بمعلومات وإرشادات تأتي من المعلمين، الأهل، القيادات في المدرسة والمجتمع(16).
  5. أن يكون التقييم المستمر موجودا في كل مراحل البرنامج (مرحلة التطوير، والتنفيذ ودمج البرنامج في المؤسسة).
  6. تعزيز مشاركة الطلاب في المؤسسات الاجتماعية، والعائلات، والمدرسة والرفاق(الأقران) (16).
  7. أن تكون البرامج مديدة الوقت أي تمتد لفترة زمنية مناسبة ولا تكون متقطّعة أو مشرذمة  (16) . إن البرمجة طويلة الأمد (من أشهر وحتى سنوات ) تكون أكثر فعالية (1).
  8. أن تتضمّن البرامج المتابعة الدورية، وتعزيز التدخلات الايجابية(15).
  9. إن البرامج التي تقدّم المعرفة عبر الأسلوب التلقيني عادة ما تكون غير فعّالة.
  10. أن توفّر البرامج تواجدا مستمر للعاملين الراشدين، وعلاقات مستقرة مع الراشدين.
  11. أن تتضمّن البرامج تطوير للمهارات الحياتية ونوعا من التفاعل الايجابي بين الشباب والراشدين.
  12. أن تتضمّن البرامج نوعا من الدعم الاجتماعي والعاطفي من قبل الراشدين، ومن قبل شباب لديهم فرصة الانتماء. ويكون التركيز على العادات الاجتماعية، وفرص التعرّف على تجارب واكتساب خبرات متنوعة، وفرص تطوير المهارات، والاندماج في العائلة والمدرسة والمجتمع المحلي، وتوفير البنية المناسبة الآمنة جسديا ونفسيا (17).

*أستاذة محاضرة في كلية الصحة في الجامعة الأميركية في بيروت
ra15@aub.edu.lb

 References

  1. World Health Organization. (2001). Promoting Mental Health: Concepts, Emerging Evidence, Practice.
  2. Currie, C., Hurrelmann, K., Settertobulte, W., Smith, R., Todd, J. (eds) (2000)
  3. 'Health and health behaviour among young people’ 1997/98 International
    Report: Health and Health Behaviour among Young People. WHO Policy
    Series: Health policy for children and adolescents Issue 1, WHO Regional
    Office for Europe, Copenhagen.

  4. UNFPA (2003). Making 1 billion counts: investing in adolescents’ health and rights. UNFPA state of the world population 2003.
  5. The Arab Women Development Report, (2003), Arab Adolescent Girl: Reality and Prospects. Cawtar
  6. Williams, Sh., Saxena, Sh., McQueen, D. (2005). The momentum for mental health promotion. Promotion and Education, 2, 6-9.
  7. LIopis, E.J., Barry, M., Hosman, C., Patel, V. (2005). Mental health promotion works: a review. Promotion and Education, 2, 9-25.
  8. Fergus, S. & Zimmerman, M. A. (2005). Adolescent Resilience:  A Framework for Understanding Healthy Development in the Face of Risk. Annual Review of Public Health, 26, 399-419
  9. World Health Organization. (2004). Jakarta Declaration on Leading Health Promotion into the 21st Century.
  10. http://www.search-institute.org/assets/  accessed September 30 2007